خمسة مقومات لاي نهضة عمرانية

بواسطة 290
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
خمسة مقومات لاي نهضة عمرانية

هذه سلسلة من المقالات تهدف الى اصلاح النظام الاداري في العراق

ليس المقصود بالنهضة العمرانية هو المباني الضخمة المشيدة ذات الوجهة المعمارية الجميلة والتي تضفي على المدينة لمسة جمالية فقط, وانما كافة مجالات الحياة من طرق داخلية وخارجية وبنى تحتية ومصانع لجميع ما يحتاجه ويستهلكه ابناء المجتمع سواء كانت غذائية او تصنيعية او دوائية او انشائية او صحية او سياحية وغيرها. النهضة العمرانية المتكاملة تتطلب نهضة في جميع ما يحتاجه المجتمع في سيرة حياته اليومية.  النهضة العمرانية كفيلة بترشيد عملية الاستهلاك المحلي والمحافظة على المنتج المحلي او المستورد واستخدامه ضمن الحدود البيئية مع مراعات ديمومة المنتج وصيانته ضمن الاسس السليمة والمواصفات العالمية. البلد المتقدم حضاريا تقدمه يقاس بتقدمه على جميع هذه الاصعدة المتعددة لا في مجال واحد. لا اريد ان اطيل الكلام في هذا المجال لان مقومات النهضة العمرانية هي الاساس في هذا الجانب من البحث والموضوع.

هناك خمسة مقومات اساسية لاي نهضة عمرانية لاي بلد, هذه المقومات تعتمد احياناعلى بعضها البعض. يصطلح على هذه المقومات الاساسية عالميا ب (5 M) او (5 م) عربيا لانها تبتدأ بالحرف (M) او (م). عدم توفر اي مقوم من المقومات الاساسية يؤدي الى خلل واضح في النضة العمرانية او كلفة اقتصادية باهضة. هناك شواهد كثيرة عمليا لاي تعثر لاحد هذه المقومات وانعكاساته الاقتصادية وكذلك شواهد كثيرة للنجاح الباهر من التطبيق المثالي لهذه المقومات الخمسة. وهي:

1.  المال (Money) : يعتبر المال المقوم الاول والرئيسي لاي نهضة عمرانية لاي بلد . بتوفر المال يمكن توفير بقية المقومات الاساسية وبعدمه يعتبر البلد فقير ولا يمكن  بنائه ويستعطف المساعدات الدولية وصدقات الجيران كما هو الحال في الاردن. يمكن ان تدر بعض المشاريع مالا اذا ما استخدم الاستثمار بصورة صحيحة كالمشاريع السياحية ومشاريع استغلال المواد الاولية التي هي احد المقومات الاساسية للنهضة العمرانية. الاردن هو مثال عملي لكلا الحالتين حيث الحكومة ليس لديها المال ولكن بمساعدة اموال المستثمرين استطاعت ان تبني من الاردن بلدا سياحيا جميلا. كذلك استطاع الاردن بقوانين الاستثمال ان يجلب المال لاستغلال المواد الاولية فيه وتصديرها الى الخارج او استخدامها في الداخل.

2.  المواد الاولية (Material): تعتبر المواد الاولية العامل الاساسي الثاني بعد المال في بناء النهضة العمرانية لاي بلد. توفر المواد الاولية في البلد يعني قلة التكاليف وعدم نزوح العملة الى الخارج. البلدان الغنية في موادها الاولية على صعيد البناء او الصناعات الغذائية والبتروكيمياوية او مختلف الصناعات لها اقتصاد قوي ومستقر ولها القابلية على التصدير. ألبلدان الفقيرة في موادها الاولية تحتاج الى اموال لاستيراد المواد الاولية وبذلك تكون كلفة التصنيع او البناء اغلى وقد تكون في بعض الاحيان مسألة استيراد المواد الاولية غير اقتصادية. يعتبر العراق خامس دولة عالمية بتوفر المواد الاولية وهو محسود عليها قديما وحديثا من قبل دول الجوار حيث عرف ببلد الخيرات وهو حقا بلد الخيرات زراعيا وصناعيا وسياحيا. اذن العراق يمكن ان ينهض نهضة عمرانية لا مثيل لها بسبب توفر المال والمواد الاولية بينما تفتقر دول الخليج المجاورة له الى توفر المواد الاولية لكن بتوفر المال فذللت كافة الصعوبات في الحصول على الكثير من المواد الاولية التي يحتاجونها في بناء بلدانهم عمرانيا. 

3.  مهارة الايدي العاملة (Man Power): تعتبر مهارة الايدي العاملة المقوم الثالث في قائمة اساسيات النهضة العمرانية. حال هذا المقوم كحال المقوم السابق المواد الاولية. مستويات الايدي العامة ونوعية الايدي العاملة ومهارتها واعدادها تعتبر من العوامل المؤثرة في بناء النهضة العمرانية. لنتوسع قليلا في هذا المقوم. النجار والحداد ( في اعمال البناء) وعمال الصحي والبناء وغيرهم هم الطبقة الاولى من الايدي العاملة في حقل البناء تليهم الطبقة الثانية  من المشرفين الفنيين ومساعدي المهندسين وغيرهم بينما الطبقة الثالثة تتمثل بالمدراء الكبار واصحاب الخبرة المهنية والادارية اما اصحاب الكفاءات فهم من يخططللبلد على مستوى خمسة سنة او عشرون عاما. هذا على صعيد مهارة الايدي العاملة في مجال الاعمال الانشائية وبنفس التقسيم نحتاج الى مهارة الايدي العاملة في المصانع والحقول الزراعية الكبيرة. البلدان التي لسي لديها ايدي عاملة كما هو الحال في بلدان الخليج تحتاج الى ان تستورد هذه الايدي عندما يتوفر لديها المال. لذا نشاهد الصيني والتايواني والباكستاني والهندي كأيدي عاملة في الخليج اكثر من العربي لانها ارخص واقل كلفة واكثر استقرارا وانضباطا ولديها مهارة جيدة ومتنوعة على المستويات الثلاثة. العراق لديه مهارة الايدي العاملة بمستوياتها الثلاث وباعداد تفوق حاجة العراق ولكن تحتاج الى التطوير والتدريب المستمر نظرا لظروف العراق قبل سقوط النظام الشمولي. تمتاز الايدي العراقية بسرعة اكتساب المهارة والتعلم. اذن هذا المقوم يعتبر في العراق من الناحية الاقتصادية عامل جيد ومشجع على النهضة العمرانية المتوخاة.

4.  المكائن والمعدات (Machinery): المكائن والمعدات هي العامل الرابع في التسلسل للمقومات المؤثرة في النهضة العمرانية.  معظم بلدان العالم لا تمتلك كافة المكائن والمعدات التي تحتاجه في نهضتها العمرانية ولكن قد تمتلك البعض منها اي يتم تصنيعها محليا. توفر المال سوف يساعد على شراء هذه المعدات والمكائن وينقل البلد من الاعتماد على الالات اليدوية والبسيطة الى الالة المكانيكية او الالكترونية او كلاهما. بلدان الخليج بلدان غنية ولديها المال فاستطاعت ان تشتري وتستورد المكائن والمعدات التي تحتاجها في بناء نهضتها العمرانية منذ منتصف القرن الماضي, لذلك حدث بها تطور سريع وهائل في مختلف نواحي الحياة. لا يزال العراق رغم الانفتاح الهائل على الاسواق العالمية الى انه لا يزال يحبو حبوا بطيئا في استيراد المكائن والمعدات المطلوبة في بناء نهضته العمرانية رغم توفر المال لديه.

5.  مهارة الادارة (Management): هذا المقوم لا يختلف في اهميته عن باقي المقومات الثلاثة السابقة اي المقوم الثاني والثالث والرابع. ربما قد يكون اهم من هذه المقومات الثلاثة مجتمعة.لان نجاح النهضة العمرانية يعتمد عليه اعتمادا كليا, بنجاح هذ المقوم تتقدم النهضة العمرانية لاي بلد والعكس صحيح. بلدان الخليج في خمسينيات القرن المنصرم لا تعرف لفن ومهارة الادارة شيئ فاستعانت بخبراء واداريين عالميا بما لديها من مال وفير فاصبح لها هذا التقدم العمراني المشهود له. قد يفكر البعض ان صرف الاموال في هذا المجال هو كلفة اضافية لسنا بحاجة لها ولدينا الخبراء والمدراء ما يكفي. هذا التساؤل يدور في معظم ذوي المسؤلية في الدوائر العراقية الا انه غير صحيح. لقد عملت خلال 10 سنوات مع مختلف الوزارات العراقية من وزارة الصحة والنقل والبلديات والاعمار والاسكان والتعليم العالي والامانة العامة لمجلس الوزراء ووزارة السياحة في مجال اصلاح النظام الاداري في العراق فلم اجد خبيرا واحدا ضمن مواصفات فن ومهارة الادارة. النقص في الخبراء في الادارة ادى الى تفاقم المشاكل التي يعاني منها العراق حاليا والى صرف اموال طائلة في مواضع ليس في محلها. العراق بحاجة شديدة الى الخبراء في فن الادارة للاسترشاد بخبراتهم لكي يقتصر الطريق والزمن في نهضته العمرانية التي طال انتطارها واصبح متخلفا بخمسين عام عن جيرانه فكيف عن البلدان المتقدمة مثل كندا وامريكا واوربا. ليس المقصود بمهارة وفن الادارة هم خريجي كلية الادارة والاقتصاد وانما الكفاءات المتخصصة في هذا المجال وهي التي ترسم وتخطط للمستقبل القريب والبعيد والمتوسط لاي مجال من مجالات الحياة. لذا قد يكون هذا الخبير الاداري مهندسا او اقتصاديا او تربويا او احد علماء الفلك او كلهم مجتمعين من اجل اصلاح وادارة البلد بصورة صحيحة ونحو نهضة عمرانية شاملة. من هنا جائت تسمية مهارة الادارة ب (Management) وليس (Administration). توجد شركات عالمية كبرى لها باعة في فن الادارة للمشاريع الكبرى. في عام 2000 كنت احد المنهندسين المنفذين لمجمع سكني كبير ما بين دبي والشارق بتنفيذ شركة المقاولات الهندسية وتصميم واشراف احد المكاتب الكبيرة في الامارات العربية المتحدة وكلا الطرفين اتفقا على ادارة المشروع من قبل شركة عالمية متخصصة بهذا المجال. فاصبحت هذه الشركة الشريك الثالث المهم في تصميم وتنفيذ المشروع ولها من السلطة ما لصحاب المشروع من قوة والحاكم الفعلي بين المصمم والمنفذ.

6.  المخلص (Mentor): المقوم السادس هذا خاص بالعراق ولم يكن من المقومات الاساسية لقيام اي نهضة عمرانية. من خلال عملي في العراق ومعاشرتي لكثير من المسؤولين الكبار لم اجد الاخلاص في عملهم كما موجود في العالم الغربي او ان يوجد هذا الاخلاص ولكن المصالح الشخصية تتقدم بكثير على المصلحة الوطنية. علاج هذا المقوم سوف يكون له مردود كبير على سرعة النهضة العمرانية وعلى الاقتصاد العراقي المبعثر والمزدهر في الفساد الاداري والمالي والسياسي. علاج هذا المقوم يحتاج الى البدأ في الاجيال الناشئة وبحرص ومن خلال دراسات وبحوث معمقة وتطبيقات خاضعة للمعاينة واستمرار التطوير نحو الاحسن واخذ دروس مستقاة وعبر من خلال هذه التجارب. اليابان مدرسة نموذجية يمكن ان تكون للعراق في هذا الجانب المهم الا وهو الاخلاص في العمل. حيث الطالب يمضي ستة سنين في المدرسة الابتدائية من دون رسوب يتعلم الاخلاق والحس الوطني والاخلاص في العمل.

الجميل ان غرفة تجارة النجف الاشرف الصقت منشورا تعريفيا بمحافظة النجف الاشرف يتضمن هذه المقومات الخمسة ضمن عبارة مختصرة. المنشور يحث اصحاب المال على الاستثمار بالمحافظة صناعيا (مكائن ومعدات)  لتوفر المواد الاولية فيها والموارد البشرية بمختلف طبقاتها وسهولة النقل لبقية المحافظات (مكائن ومعدات) مع الادارة الكفوئة.


المهندس سعد صادق محي شربه

                                                                              دكتوراه ادارة المشاريع

 

لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نص عادي نص عادي
أخر الإضافات