المقدمة :
يشهد الدينار العراقي تذبذبا كبيرا مقابل الدولار ما بين الانخفاض على نحو غير مسبوق منذ عام 2004 وبين ارتفاع جزئي، حيث ارتفع سعر الدولار الواحد لنحو 1600 دينار، ثم عاد الى الانخفاض قرابة 1535 دينارا، في وقت يبيعه فيه البنك المركزي الدولار بـ1460 دينارا.
وانعكس عدم استقرار سعر الصرف على حركة السوق بشكل سريع ، مع ارتفاع أسعار المواد الاستهلاكية وتسجيل حالة من الركود الاقتصادي مع مخاوف من ارتفاع نسبة الفقر التي بلغت قرابة 25% للعام 2022.
وياتي ذلك في وقت اعتمد فيه البنك المركزي العراقي سياسات جديدة لتغطية حاجة البلاد الى الدولار.
جذور المشكلة :
إن أحتياطات العراق من الدولار مودعة بحساب البنك المركزي العراقي في الفيدرالي الأميركي في نيويورك، ويتم طلبها عبر تحويلات من قبل الزبائن والمصارف، ولم يكن هنالك تدقيق دولي على طبيعة هذه الطلبات في السابق ، ولكن مع تزايد الطلبات غير المنظمة او المشبوهة وصل الحال الى رفض ما نسبته 75% من التحويلات الخارجية بعد اعتماد ضوابط جديدة فرضها الاحتياطي الفيدرالي الأميركي مستكملة لاجراءات سابقة اتخذها ضد عدد من البنوك العاملة في العراق.
وحيث ان الطلب على الدولار اصبح يفوق المعروض منه بالسوق، مما أدى في المحصلة إلى ارتفاع سعر الصرف، فيما يتم تعويض تلك الحوالات المرفوضة عبر نقل العملة إلى دول إقليمية تعاني من ضعف في تدفقات الدولار إليها.
ابعاد المشكلة
مع ان بيان المركزي العراقي قد وصف الارتفاع في سعر الصرف ب ” البسيط ” فيما وصفته رئاسة الحكومة ب ” الامر المؤقت”، غير ان خطوة البنك المركزي في خفض قيمة الدينار العراقي اواخر العام 2020 من 1182 دينار مقابل الدولار الى 1460 بهدف تعويض نقص الايرادات النفطية انذاك لاتعد خطوة بعيدة زمنيا عن التدهور الذي تشهده قيمة الدينار اليوم ما يعزز احتمالية دخول العراق في مرحلة جديدة من الازمات الاقتصادية:
- التضخم
يعرف التضخم بانه زيادة كمية النقود بشكل تنخفض معه قيمتها او ارتفاع معدلات الاسعار للسلع والخدمات مع بقاء الدخل النقدي ثابتا.
ومع ان مشكلة الاقتصاد الحالية بانخفاض قيمة الدينار العراقي ،تندرج من بين مسببات التضخم ،تحت بند (زيادة الطلب الكلي) ولكن ليس بالضرورة لتغطية السلع و الخدمات بل يزيد عليه تغطية اقتصاد الظل و عمليات تهريب العملة وذلك نتيجة لعدم اتباع نظم شفافة لحركة الاموال.
حيث ان التضخم بالاقتصاد العراقي لايرجع الى الاختلالات في السياسة النقدية فحسب بل تساندها اختلالات هيكلية نا جمة عن التخلف في بنية الاقتصادوانحيازه الهيكلي لصالح القطاع النفطي وانعكاس التغيرات في هذا القطاع على مختلف قطاعات الاقتصاد صناعية وتجارية وزراعي وخدمية.
- الركود الاقتصادي
يشير مفهوم الركود إلى انخفاض كبير في النشاط الاقتصاديّ لدولة معينة خلال فترة ما.
تشهد الاسواق العراقية حالة من الركود الاقتصادي تعد الاكبر بسبب المخاوف من تذبذب سعر الدولار في اسواق الصيرفة بعد ارتفاعه الى حدود غير مسبوقة وعدم السيطرة على ممارسات المضاربين.
مما يسبب خوف المستثمر وأصحاب العمل في القطاع الخاص من وضع خططهم الاستثمارية المستقبلية، خاصة وان السوق العراقية تعتمد بالدرجة الاساس على الاستيراد للبضائع والتي تدفع بالعملة الأجنبيةوكالعادة فان الركود ينعكس على سلسلة من المؤشرات الاقتصادية كارتفاع معدلات البطالة ومستوى الدخل للأفراد.
- ارتفاع نسبة الفقر
مع ان العراق يكافح الفقر منذ العام 2014 طبقا لاهداف التنمية المستدامة للامم المتحدة في القضاء على الفقر مطلقا استراتيجيتين سابقتين وواعدا باطلاق الثالثة مع وصول نسبة الفقر في العراق لعام 2022 الى 25.6٪وهي النسبة الاعلى منذ نحو 20 عاماً باستثناء فترة تفشي فيروس كورونا الاستثنائية.
الا ان حالة الركود الاقتصادي تتسبب في اضرار قسم كبير من العمال واصحاب المهن تبعا لتوقف الاعمال ما ينتج عنه ارتفاع نسبة البطالة و انعكاس المشكلة على طيف كبير من العوائل التي يصنف دخلها كاجر يومي .
نا هيك عن ان الانخفاضات المتلاحقة في قيمة العملة العراقية قد ساهمت فعليا في خفض قيمة الرواتب و الاجور بحوالي 25% خلال عامين تقريبا.
نظرة على السياسة النقدية
بعد صدور قانون البنك المركزي العراقي 56 لسنة 2004 الذي مكن البنك من استخدام ادوات كمية غير مباشرة مكنته من مواجهة الضغوط التضخمية واظهرت السياسة النقدية مع اعتماد مزاد العملة في اعقاب ذلك قدرة كبيرة في السيطرة على اسعار الصرف حتى تراجع الفارق بين سعر الصرف الرسمي و سعر السوق الموازي ليصبح طفيف جدا للفترة من 2004 – 2016 حتى عاد للاتساع بنسبة قليلة بعد تطبيق المادة 50 من قانون الموازنة الاتحادية والذي حدد كمية البيع في مزاد العملة ب ( 75) مليون دولار يوميا‘ ثم تخلى عنها لاحقا بعد تدهور الاوضاع الامنية ومخاوف اتساع الفارق وانخفاض اسعار النفط العالمية .
مشاكل القطاع المصرفي
علـى الــرغم مــن إن القطــاع المصرفي فــي العــراق يعـد مـن الـنظم العريقـة فـي المنطقـة العربيـة، إلا انـه يبقـى نظامـا تقليـديا فـي عملـه بطيئـا فـي تطـوره، فقـد ألقــت ظــروف الحــرب التــي مــر بهــاوالفلســـفة الاقتصـــادية التـــي كانـــت ســـائدة فـــي الاقتصـاد العراقـي بظلالهـا علـى القطـاع المـالي فـي العــراق تاركـــة موروثــا واطــر بشــرية وســياقات عمــلوقـوانين تمثـل فجـوة كبيـرة بينـه وبـين الـنظم الماليـةالســائدة فــي المنطقــة والعــالم ، فيما يلي نورد ابرز سلبيات القطاع
- اختلال في الكثافة المصرفية _التي تستوجب فرعا لكل 10000 نسمة_ و ضعف القدرة على استيعاب المدخرات او تلبية احتياجات المودعين بالسرعة والكفاءة المناسبتين.
- ضعف الرقابة اذ تتفــاوت البيانــات المصــرفية فــي شــموليتها ودقتهــا بـين مصـرف وأخـر ويفتقـر العـراق إلـى الحـد الأدنـى المطلـوب للإفصـاح ممـا يجعـل مـن الصـعب إجـراء المقارنة بينه وبـين المصـارف الدوليـة ، ومـن المتفـق عليــه إن المنافســة الدوليــة تتطلــب وجــود بيانــات قابلـة للمقارنـة وفـق معـايير موحـدة وفـي الكثيـر مـن الحالات يمثل هذا الأمر تحديا كبيرا نظرا للحاجـة إلى الكثير من الجهد لتطوير قواعد الشفافية ونشـر البيانات والقوائم المصـرفية.
- عدم تبني معايير المحاسبة الدولية ومعايير التدقيق الدولية اذ يعمـل القطاع بعيدا عـــن التطــورات الحاصـــلة فــي بيئـــة العمـــل المحاســبية العالميــة ومــا يرافقهــا مــن تطــورات إذ يســتند فــي عملــه علــى تطبيــق النظــام المحاسبي الموحد الخـاص بالمصـارف دون التركيـز علــى معــايير المحاســبة الدوليــة ومعــايير التــدقيق الدولي.
- ضعف استخدام التكنولوجيا فيحتــــاج العــــراق إلــــى زيــــادة مســــتوى الاســـتثمار فـــي التكنولوجيـــا المصـــرفية الحديثـــة وتطبيـق الأنظمـة العصـرية لتكـون قـادرة على المنافســة فــي الســواق الداخليــة والخارجيــة .
ان عدم تدارك هذه المعايير خفض الثقة بالنظام المصرفي وقدرته على تلبية احتياجات المودعين والمستثمرين على حد سواء وهو ما تسبب في ازدهار سوق الصرافة الموازية لتخلق سوقا سوداء يستفيد منها أفراد يتحكمون بالأسعار وسط عدم التدخل بمنع مثل هذه الممارسات لمدة طويلة واستقطاب العملة لدول تنخفض تدفقاتها من الدولار ادى في النهاية الى الازمة التي نشهدها اليوم.
اجراءات البنك المركزي للسيطرة على الازمة
نتيجة لضغوط القوى الرقابية الدولية ، التي اتخذت قرارات خاصة بعد قضية تهريب الأموال وفساد بعض البنوك في العراق، و استبعاد سبعة بنوك من المشاركة في مزادات العملة، وفرض تشديدأكبر على الحوالات التي لم تكن تخضع لأي تدقيق سابقا ، اتخذ المركزي العراقي عدة اجراءات لدعم ممارسات الرقابة والشفافية عبر :
- انشاء منصة إلكترونية ترفع المصارف طلبات زبائنها عبرها،تتطلب المنصة تقديم معلومات عن الزبائن طالبي التحويل والجهات المستفيدة والمصارف المراسلة، وتفرض متابعة للاعتمادات المستندية وضوابط على إجراء الحوالات التي تمر بنظام SWIFT، والتي تضم تدقيقا لمصدر الأموال حتى المستقبل النهائي ، ويتم النظر بالأسماء على مدار أسبوع ويحسم البنك موقفه قبل يوم من موعد مزاد بيع العملة.
وكان المركزي قد باشر منذ أشهر ببناء المنصة بالتنسيق مع الجهات الدولية لغرض أحكام وتنظيم عمليات نافذة بيع وشراء العملة الأجنبية وضمان فاعلية الرقابة عليها، تقدم الطلبات الى المصارف المجازة ويثبت فيها نوع السلعة والحاجة المطلوب شراؤها وتفاصيل عن الجهة المستفيدة، ويجب أن يذكر اسم البائع واسم الشخص الذي يطلب الشراء ويدخل الاسم في نظام عالمي يسمى (أوفاك) لبيان إن كان مطلوبا أو عليه إشكاليات وكذلك يتم التواصل مع الجهة البائعة للبضاعة المستوردة للتحقق من تعاملاتها مع الشخص طالب شراء الدولار.
- تغطية كافة متطلبات التجارة الخارجية (لأغراض الاعتمادات المستندية أو الحوالات) بالكامل و بالسعر الرسمي (1465) دينار للدولار بالنسبة للاعتمادات المستندية و(1470) دينار للدولار بالنسبة للحوالات.
- ايقاف (الاستيفاء المسبق)للرسوم الكمركية ومبالغ الضرائب،ويتم استيفاء الضرائب من قبل المنافذ عند دخول البضائع المستوردة، فيما عزا البنك هذا الاجراء لانتهاء العمل بالسنة المالية المتعلقة بموازنة 2021 التي حددت هذا الشرط، وياتي القرار للحد من ظاهرة “الاستيراد الوهمي” حيث يتم تحويل الدولار الى الخارج لغرض الاستيراد، مقابل عدم دخول مواد مستوردة بالفعل مقابلها.
- السماح للمصارف بالمشاركة في نافذة بيع وشراء العملة الأجنبية عبر شراء أية مبالغ بالعملة الأجنبية وإيداعها لدى هذا البنك بحسابات تستخدم لأغراض التحويل الخارجي، وتدفع عن تلك الأرصدة فوائد/عوائد بحسب ما يقرره هذا البنك.
- تسهيل تمويل تجارة القطاع الخاص من خلال المصارف العراقية وتلبية طلب التحويلات الخارجية من خلال تعزيز أرصدة المصارف لدى مراسليها بعملات أخرى فضلًا عن عملة الدولار الأمريكي (اليوان الصيني، اليورو، الدرهم الإماراتي، الدينار الأردني وغيرها).
- فتح منافذ لبيع العملة الأجنبية في المصارف الحكومية للجمهور لأغراض السفر (العلاج، الحج العمرة، الدراسة وغيرها) على وفق ضوابط بيع وشراء العملة الأجنبية،
ان كافة الاجراءات التي اتخذها البنك المركزي اعلاه لم تجدي نفعا لحد الان ولم ينجح _عمليا _في اعادة سعر صرف الدولارالى مستواه السابق، اوتقليص الفارق بين السعر الرسمي وسعر السوق الى المستوى المقبول على اقل تقدير،ومازالت تداعيات الازمة تلقي بظلالها على الاقتصاد العراقي لحد الان.
التوصيات
- انهاء احتكار العملة في السوق العراقية عبر الغاء مزاد بيع العملة الذي يقصر عملية البيع على مصارف محددة ، واتاحة الفرصة لكافة المصارف لتلبية احتياجات السوق والمواطنين بالاعتماد على حساباتها من الدولار في البنك المركزي والخاضعة للضوابط و الشروط الرقابية كافة.
- اتاحة خدمة الحوالات المصرفية الخاضعة لنظام SWIFT للتتبع والرقابة ،للافراد والشركات وكافة الكيانات الاقتصادية ، بشكل مباشر دون اللجوء الى حلقات اجرائية زائدة.غرفة تجارة النجف الاشرف/ قسم الدراسات والنشر/
